لمناسبة اليوبيل
الكهنوتي الذهبي للمطران مارون خوري صادر، رئيس اساقفة
صور للكنيسة المارونية، اصدر جوزف خريش كتاباً توثيقياً
شاملاً عن المطران صادر تضمن نشأته، مرحلته الكهنوتية
ثم الاسقفية، كتاباته في مختلف الشؤون الروحية
والرعائية والوطنية، زياراته الراعوية وانجازاته.
وقد صدر خريش كتابه بمقدمة ننشرها بنصها: "كما يقف
المسافر وقفة استراحة وتأمل في نهاية شوط من الطريق،
هكذا يقف سيادة المطران مارون خوري صادر في هذا الكتاب
الذي يصدر في مناسبة يوبيله الكهنوتي الذهبي. يقف
متذكراً، مصلياً، شاكراً الله تعالى على ما منحه من
النعم، ليواصل الخدمة الكهنوتية التي ارتضى ان يستجيب
فيها لنداء الدعوة التي دُعي اليها فتى يافعاً، ثم نهض
بها ولا يزال اسقفاً جليلاً، دون ان تقوى السنون على
ثني عزيمته الفتية، وروحه الوادعة التي عهدها فيه
عارفوه ومقدرو رسالته التي لا تتوقف، بالطبع، عند سن
قانونية، انما يحملها وديعة مقدسة في عمق كيانه الشخصي.
انطلاقاً من هذا التقدير ارتضيت بما شرفني به سيادته
لكي أعد له هذا الكتاب بكل طيبة خاطر، على ما يكتنف
هذا العمل من مصاعب، فاستطعت ان أتغلب عليها بفضل ما
وفّره لي سيادته من وسائل وساعات طوال من الحديث
والاصغاء المتبادل، كما بفضل محفوظاته العديدة التي
كان قد دأب على جمعها وتنظيمها في ملفات حفلت بها
مكتبته الخاصة المتوزعة بين دار المطرانية في صور
وداره الخاصة في مسقط رأسه عين إبل. من هذا المعين كان
عليّ ان اجمع مادة هذا الكتاب في فصوله الخمسة.
على مدى سنتين، انكببت في مرحلة اولى منها، على تفحّص
عشرات الملفات ومئات الوثائق التي كانت قد وضعت في
فترات متعاقبة من مسيرته الكهنوتية والاسقفية، مع ما
اختزنته من اختبارات في حقول عديدة من الخدمة، وعظا
وارشاداً وتعليماً وخطابة في مناسبات مختلفة في جنوب
لبنان، لا سيما في الايام الصعبة المعروفة لدى الجميع.
في مرحلة ثانية، كان علي ان اختار من بين الوثائق
العديدة ما يفيد لتكوين مادة هذا الكتاب، وفقاً لتصميم
عام تبلورت محاوره تدريجاً، بعد ان كانت موضع درس في
جلسات طويلة مع سيادته، استذكاراً واستجلاء لوقائع
وصور وافكار من الماضي. فكانت وسائل البحث والمواد
الاولية تتمثل، الى الوثائق المحفوظة، بالذاكرة الحية،
تدعمها المعلومات الموثقة المستلة من عدد لا يستهان به
من الصحف والدوريات والمراجع التاريخية، حتى استقرت
الفصول والابواب على ما هي عليه وعلى الآتي:
1 – تضمّن الفصل الاول الذي جاء في جزءين، فضلاً عن
شهادات وكلمات لكل من البابا يوحنا بولس الثاني
والبطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير والعلامة
السيد علي الامين مفتي صور وجبل عامل وسواهم من
الشخصيات الكريمة واهل القلم، لمحة في مسيرة المطران
مارون صادر، شملت نشأته ومساره الكهنوتي، مستهلة بوقفة
على جذور الاسرة آل صادر وكهنتها، ملقية الضوء على
جوانب من تاريخ عين ابل، ولا سيما منه في وجهه الديني،
ليشمل اربعة قرون هي ما يشكل عمر هذه القرية الحدودية
في تاريخها الحديث منذ عام 1630 حتى ايامنا هذه. شملت
هذه اللمحة في ما شملت سلسلة الآباء اليسوعيين الذين
تعاقبوا على الرسالة فيها، تعليماً وارشاداً، وكذلك
راهبات القلبين الاقدسين، الى وجوه دينية اخرى، بقدر
ما تمكنّا من القاء الضوء عليه، ضمن الامكانات البحثية
المتوافرة لدينا. ختمنا الجزء الاول من هذه اللمحة
بسبع كلمات هي بمثابة تسجيل لأبرز المحطات في مسيرة
المطران صادر، من السيامة الكهنوتية والقداس الاول الى
السيامة الاسقفية والقداس الاسقفي الاول.
اما الجزء الثاني من الفصل الاول فقد خصصناه للمرحلة
الاسقفية من سيرة المطران. مهدنا له بمقدمة شملت سلسلة
الاساقفة الذين مروا في تاريخ صور الكنسي، منذ القرن
الثاني حتى مطلع القرن السابع عشر. وهي حقبة طويلة من
تاريخ المدينة المغمور، الى الحقبة الحديثة التي بدأت
في الثلث الثاني من القرن الثامن عشر، مع المجمع
الماروني اللبناني (1736)، ثم المرحلة التأسيسية
الفعلية المعاصرة التي انطلقت في مطلع القرن العشرين
مع المطران شكرالله خوري (1906). يذكر هذا القسم من
الكتاب بحقائق تاريخية تؤكد على عراقة الحضور المسيحي
والماروني، تحديداً، وعلى حقيقة العيش المشترك ودعوة
لبنان الحضارية. توخينا ان نستعرض بايجاز اعمال كل من
الاساقفة العظام شكرالله خوري، وبولس المعوشي، ومخائيل
ضوميط، ويوسف الخوري، مع اليقين بأنّا لم نوفّهم حقهم،
على أمل ان يكون هذا البحث حافزاً لابحاث لاقحة تقوم
الاجيال الشابة بها.
2 – اما الفصول الاربعة الاخرى فانها تدور حول كتابات
سيادته ومواقفه ومواعظه وتعاليمه. خصص الفصل الثاني
لزياراته الراعوية وانجازاته المعمارية الكنسية،
مواكبة له في كل رعية من الرعايا، بدءاً من صور
والمنطقة الساحلية الى منطقتي النبطية وجبل الريحان،
فمرجعيون وحاصبيا، ثم الى اقصى الجنوب اللبناني،
انتهاء بالاراضي المقدسة. حاولنا في كل واحدة من
المحطات التوقف على المشاريع التي تحققت، بناء وترميماً
او تجديداً في الكنائس وقاعات الاجتماع والأوقاف،
معتمدين في توصيفها على تقارير لجان الاوقاف وملاحظات
سيادته ومحفوظاته وذكرياته الخاصة. الى ذلك اثبتنا
مضمون عدد من المواعظ التي كان يلقيها سيادته اثناء
زيارته الراعوية، مضمناً اياها محبته الابوية نحو
ابنائه وتوصياته وارشاداته السديدة. وهي كانت تأتي
دائماً جواباً على مشكلات مطروحة، وفقاً لظروف كل رعية
واحوال اهلها، لذلك جاءت بمثابة وثائق ذات فحوى روحي
واجتماعي يعكس صورة حية عن واقع الرعايا والاحداث
والاجواء السائدة. فضلاً عن الزيارات الراعوية شمل هذا
الفصل ايضاً السيامات التي رقى فيها سيادته عدداً من
ابناء الابرشية الى الدرجة الكهنوتية او الشماسية التي
بلغ عددها الثماني. اتبعنا كل سيامة بالعظة المناسبة
لها، عندما كنا نجدها بين الوثائق المحفوظة.
اقترح سيادته ان يضاف الى هذا القسم بعض العناوين التي
تعكس نظرته الروحية واللاهوتية الى الدعوة والحياة
المكرسة والعلاقة مع الله، وتأملات في المسيح والسيدة
العذراء والايمان والصلاة والتوبة والمحبة والتوق الى
الله.
شكلت هذه العناوين نماذج في روحانية الاب والراعي
والمرشد، وشهادة على عمق تفكيره وصفاء نظرته الى عالم
الروح والعيش مع الله.
3 – من الاعمال الكهنوتية والحياة الروحية تحملنا
صفحات الكتاب الى الفصل الثالث الذي تمحورت عناوينه
الفرعية حول عنوان رئيسي هو "العيش المشترك" فجمع في
ابوابه اربعة مواضيع اساسية:
1 – اسس العيش المشترك ومبادئه الروحية والاخلاقية، 2
– نماذج من التعاون والعمل الوطني المشترك في جنوب
لبنان، 3 – قضايا شبابية واجتماعية وتربوية، 4 – العيش
المشترك وفقاً لتوصيات الارشاد الرسولي "رجاء جديد
للبنان 1997"، الذي كان السعيد الذكر البابا يوحنا
بولس الثاني قد سلمه الى اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين،
واضعاً اياه امانة بين ايدي الشباب اللبناني في كنيسة
سيدة لبنان في حريصا في 10/5/1997. قوام هذا الفصل
محاضرات وكلمات في الحوار المسيحي الاسلامي. مجموع هذه
الكلمات يشكل وثيقة ثمينة عن الدور التعليمي الاجتماعي
والروحي الذي قام به المطران مارون صادر في منطقة جنوب
لبنان وفي ظروف مصيرية عصيبة اثبت فيها ان اللبنانيين
على تعدد اتجاهاتهم ومشاربهم قادرون على ان يعيشوا معاً
ويقدموا افضل صورة عن لبنان الرسالة بصيغته الحضارية
النموذجية.
4 – اذا كان الفصلان الاولان يضعان سيرة المطران مارون
خوري صادر في سياقها البيئي والبيتي (عين ابل) من جهة،
وفي سياقها الكنسي والراعوي في صور من جهة اخرى، فان
الفصل الرابع، الذي اخترنا له عنوان "مواقف ومواعظ في
مرآة الصحافة"، يثبت ما فاتنا في الفصول الثلاثة
السابقة من مواقف ومواعظ ووقائع سلطت عليها وسائل
الاعلام اضواءها. الامر الذي يساعد القارئ على تتبع
نشاطات سيادته، بتفاصيلها احياناً، فضلاً عن تواريخها
الدقيقة ومناسباتها العديدة والمعروفة من اللبنانيين،
ولا سيما الجنوبيين منهم. آثرنا ان نثبتها في فصل خاص
نظراً لقيمتها التوثيقية والتاريخية في ذاكرة الجنوب
اللبناني، عساها تذكر من تغيب عن باله مواقف "مطران
العيش المشترك" التي بلغت به، احياناً الى حد
الاستشهاد، في الشجاعة والتصدي للمصاعب دون اي حساب،
مستوحياً ايمانه بربه، مستلهماً بطولات اسلافه. "مواقف
ومواعظ المطران مارون صادر في مرآة الصحافة"، صفحات
مشرقة من سيرة انسان واسقف على كرسي صور والاراضي
المقدسة.
5 – يتضمن الفصل الخامس مجموعة المواعظ والمحاضرات
المتعلقة بموضوع "العدالة والسلام وحقوق الانسان"، الى
جانب رسائل البابا يوحنا بولس الثاني والبابا الحالي،
بنديكتوس السادس عشر، في مناسبة اليوم العالمي للسلام
في مطلع كل سنة. بلغ مجموعها 14 رسالة من عام 1993 الى
العام الحالي 2006. فجاءت اقسام هذا الفصل على النحو
التالي:
1 – تعريف باللجنة الاسقفية "عدالة وسلام"، بما فيه
اعمالها ومبادئها وتوصياتها.
2 – اليوم العالمي للسلام – وهو يشكل الجزء الاكبر من
هذا الفصل بما فيه خصوصاً الرسالة السنوية الخاصة
بالمناسبة، الممهد لها بالمؤتمرات الصحافية والمواعظ
التي كان يلقيها سيادته في مطلع كل سنة جديدة.
3 – اتبعت هذه الرسائل والمواعظ والبيانات الاعلامية
بمجموعة من المحاضرات القيمة التي كانت قد ألقيت في
مناسبات اخرى في اطار عمل سيادة المطران صادر كرئيس
للجنة الاسقفية المنبثقة عن مجلس البطاركة والاساقفة
الكاثوليك في لبنان، امام نخب من العاملين في حقول
العمل المدني وحقوق الانسان.
يشكل هذا الفصل، بمضمونه الخاص، اداة مفيدة لكل
المعنيين بقضايا العدالة والسلام وحقوق الانسان –
مسيحيين ومسلمين وعلمانيين، ولا سيما لمن يهتمون
بثقافة السلام في ايامنا هذه، حيث يسوّق البعض مقولة
صراع الثقافات والاديان، وتتعاقب القرارات الدولية
بشأن السلام العالمي. ان رسائل الحبرين الاعظمين
المذكورين ومواعظ سيادة المطران صادر تلقي الضوء على
هذا الواقع العالمي، مقدمة رؤية مسيحية واقتراحات
عملية، منها خصوصاً ما يتعلق باصلاح هيئة الامم
المتحدة والمؤسسات المنبثقة عنها، والمحكمة الدولية،
بما يعود بالعدالة والسلام على الاسرة الدولية، ومنها
ربما لبنان والبلدان ذات الاوضاع المأسوية مثل فلسطين
والعراق.
يأتي هذا الكتاب، المنوي اصداره في مناسبة اليوبيل
الكهنوتي الذهبي للمطران مارون خوري صادر، والمصادف مع
اليوبيل المئوي الاول لتأسيس ابرشية صور المارونية،
بمثابة شهادة عن مسيرة اسقف من اساقفة الجنوب الكبار.
نأمل ان يسد فراغاً في الذاكرة اللبنانية عامة
والمارونية خاصة حول واقع هذا الجزء العزيز من لبنان،
مهد الرسالة المسيحية، وملتقى الامم والمذاهب، منذ
القديم، وان يكون حافزاً للاجيال الصاعدة الى مزيد من
التمسك بالقيم التي نذر نفسه لأجلها، وجسدها في
اختباره الكهنوتي والاسقفي والمواطني".