وقائع نكبة عين ابل
في 5 ايار 1920
كما ترويها شاهدة
عيان
من لا يعرف
لا يحب . ومن
يحب حقيقة يريد ان يعرف عنها أكثر، و
يحاول أن يضحّي في سبيل مَن وما يحب ويحافظ عليهما
، اشخاصا كانوا أو اشياء . وبعض الامكنة نعشقها
أكثر من الاشخاص . عين إبل بالنسبة لكثيرين من
أبنائها موضع عشق حتى ولو اصبح العشق لديهم طريقا
للهلاك احيانا . الامر الذي يحعلهم يرددون مع
الشاعر :" ايتها الاشياء الجامدة هل عندك روح
تعشق روحنا وتدفعها قسرا الى الحب "
بعض هذه
الافكار يخطر بالبال في الذكرى الثامنة والثمانين
لمجزرة يوم الاربعا ء 5 ايار 1920.والتي كانت قبل
ايام موضوع تحاور على هذه الصفحة الالكترونية.وكم
يعزّي ويفرح أن نقرأ ما يكتبه البعض من أعضاء هذه
المجموعة العين أبلية في الشؤون التي تجمع ولا
تفرق ، والتي تسهم في تنمية المحبة لا في التباعد
ولا في طرح ما يجرح .
موضوع 5
ايار هو من المواضيع التي تهمنا جميعا.وقد لمست
هذا الاهتمام والشوق الى المزيد من الاطلاع على
تفاصيله واسبابه وأبعاده ،وصولا الى ما هو اهم من
ذلك، ألا وهو اتخاذ العبر من الماضي واخطائه منعا
للوقوع فيها مرة أخرى . هذا هو معنى التاريخ
واستذكار ماضينا العين أإبلي المشترك.
بعد تحية كل الذين حاولوا
ويحاولون متابعة هذا الموضوع ومنهم بنوع خاص "
مارون دياب – كندا " و شربل بركات مؤلف كتاب "مداميك"
الصادر عام 1999 والذي خصص فيه
لموضوع الخامس من أيار فصل كامل يقع في 63 صفحة
تقريبا ، متميزا باسلوب روائي يجمع بين التعبير
الادبي والقصصي البيوغرافي والخيالي ، مستندا في
تأليفه على الذاكرة الجماعية مما سمعه من الجيل
السابق وعلى المخيلة الابداعية، الى ما عاشه
المؤلف في الواقع مستوحيا تجربته الميدانية ،
الموقّعة بالحس
الوطني ، والايمان
بالقيم التي ورثها تراثا اصيلا من ترابه العين
إبلي.... ففي ظل هذا الثناء- الذي لا عيب فيه الا
أنه يطال الذات - كل أبناء عين إبل متصلون بتلك
الاصالة ولا استثاء منها لأي من شجراتها
العائلية الكريمة والعزيزة .
اقول هذا
لأصل الى لب الموضوع متسائلا : 5 ايار عين إبل
ماذا حصل فيه بالضبط ؟ ما هي الامثولة ؟
أحاول في
هذه الصفحة أن أتتبع في تقرير وضعته شاهدة عيان (
هي رئيسة دير الراهبات في ذلك التاريخ الام
كليمانتين السورية الحلبية ) أحداث الخامس من
أيار وما بعده بأيام . كيف عاش أبن وابنة عين
إبل مع مرّ مأساة التهجير والعذاب ومواجهة الموت،
ومن ظلم الجهل والارهاب ؟. في التقرير لا تشتم
الكاتبة أحدا ، ولا تبغي من ذلك الا التأمل في
وجع أهلنا والدعاء لهم ، واستصراخ الضمائر والشكوى
لله . والدعاء لأجلنا نحن اليوم ربما أيضا لئلا
يوقعنا الله والتاريخ مرة اخرى في تجربة مماثلة
أذا ما أخطانا التقدير في الاحكام و التصرف.
- في
المقدمة تروي الام كليمانتين تطور الظروف
التاريخية التي سبقت نكبة عين إبل من لحظة دخول
جيوش الحلفاء الى لبنان والمنطقة واعلان الدولة
العربية ، الى نشر الوية تلك الدولة في كل من
دمشق وبعض المدن اللبنانية ومنها بخاصة الجنوبية ،
ثم ما عقبها من موجات اعتداء على بعض القرى مثل
مرجعيون ودردغيا وطيرسمحات وصفد البطيخ ويارون
وقانا وغيرها من قبل عصابات كانت قائمة منذ العهد
العثماني، ثم انتهزت الظروف لتبرير أعمالها .
تتوقف
الكاتبة على ما كان تعتبره نقطة انطلاق شرارة
العدائية على عين إبل : وصول الجنرال الفرنسي
غورو الى بيروت وابتهاج أبناء جبل لبنان بهذا
الحدث ، بعكس أبناء بعض المناطق الاخرى وخصوصا في
الجنوب . ثم وقوع ما يمكن اعتباره غلطة الشاطر ،
في ظل تلك الظروف الا وهو اصرار أبناء عين إبل
على المشاركة في هذا الابتهاج . واعتبار أبناء
المنطقة لذلك الابتهاج تحديا لمشاعرهم ولتوجههم
السياسي الرافض للفرنسيين . هل كان من الحكمة
لأبناء عين إبل في ذلك الحين أن يسبحوا ضد تيار
واسع وطاغ , فيما كانوا ولا يزالون يشكلون أقلية
قليلة سهلة المنال؟ فيما يلي وصف موجز لما تعرضوا
له من ويلات في ذلك النهار التاريخي ساعة بساعة .
- يوم
الاربعاء وحوالي الساعة العاشرة صباحا
" ما نظرنا الا الوفا.... يسيرون من بعيد الى جهة
عين إبل " تقول رئيسة الدير. يصل في الوقت نفسه "
بريد مع رسالة " طمأنة للبال بأن الجمع الوافد
لايستهدف البلدة بل المرور فيها للحج الى مقام
النبي يوشع في فلسطين . " نشروا ( الوافدون )
العلم الأبيض وصرخوا : أصحاب ، أصحاب " .فلم تمر
الحيلة . وبدأ اطلاق الرصاص من الجانبين .
-
حوالي الحادية عشرة
قبل الظهر- كما يستنتج من التقرير- قتل
أثنان من حامية ( الحرس ) عين أبل . وبدأ
المهاجمون يصلون الى مشارف البلدة .
- بين
الواحدة والثانية ظهرا
وصل المهاجمون الى الاحياء الداخلية (وهم بالألوف
حسب التقرير لا يصدهم اكثر من 300 مسلح عين إبلي
حسب افادات المعمرين من أبناء البلدة ) . فكان
أول هدف لهم " الحارة ( بناية شباط الواقعة قرب
مكتب الريجي وبيت فرسان العذراء اليوم ) التي
أقيمت في ساحتها حفلة رفع العلم الافرنسي" ، كما
تؤكد الام كليمانتين .
- حوالي
الثانية بعد الظهر
وصل 30
عين إبلي وهم منسحبون يسلاحهم الى الدير
. من نوافذه راحوا يطلقون النار على المهاجمين
في حين كان الاهالي يتوافدون تباعا الى المكان
نفسه ، هربا من المذابح التي بدأت ترتكب في
المنازل وعلى الطرقات . نعلم من مصادر أخرى أن
مقاومة كانت تجري في الوقت نفسه من على سطح
الكنيسة في حين كان يلتجىء اليها الاهالي وبينهم
جرحى . في كل ذلك أخطاء كان- ربما - بالامكان
تجنبها .
- امتلأ
الدير بالاهالي المذعورين الذين راحوا يتوقعون
الموت في كل لحظة .غالبوا الخوف باللجوء الى
الصلاة وفعل الندامة يحثهم عليها خوري عين إبل
الاب طانيوس صادر وخوري دبل طانيوس (اسحق ؟)
والراهبات الاربع : كليمانتين من حلب، انستاز من
بغداد ، سلستين من غزير ، بربارة من عين إبل .
-
الساعة الخامسة مساء
اشتد الخوف وكان يسمع بكاء شديد.
- بين
السادسة والسابعة مساء
طرق
الباب بشدة و" وصل عدد كبير من الجرحى – كما تقول
الام كليمانتين – هذا الرصاص في جسمه وذاك مقطوع
اليدين والآخر مضرج بالدم ...أمتلأت ساحة المدرسة
والطابق الأعلى بالجرحى.... ووسط أصوات العويل
وصراخ النساء والأولا د " راحت الراهبات يقمن
بالاسعافات الاولية .
-
حوالي
السابعة والنصف بعد عياب الشمس
أفيد أن الذخيرة نفذت من المدافعين عن البلدة
.وبدأت عملية انسحابهم الى خارجها .وتبعهم عدد
كبير من الاهالي الذين كانوا يلتجئون الى الدير
ترافقهم الاخت بربارة العين إبلية .
- بين
السابعة والتاسعة مساء
كان الخوف لا يزال مسيطرا على نفوس الاهالي داخل
الدير والابتهالات ترفع من الحناجر المنهكة بالحزن
والبكاء .الام كليمانتين تسجل في ذاكرتها قرقعة
ابواب المنازل التي تحطمها أسلحة المعتدين من
بنادق ورشاشات وقنابل .وتفكر بمصير المرضى
والمقعدين الذين كانت تزورهم قبل قليل . تبين لها
فيما بعد أن عدم تمكن أهاليهم من نقلهم معهم
وبقاءهم وحدهم في البيوت جعلهم عرضة للانتقام ولكل
أنواع التعذيب من دون شفقة من قبل عناصر العصابات
المهاجمة . فوجدت جثثهم بعد ايام " مجرّحين
مقطّعين مشوييّن بالنار بالعري التام بينهم النساء
والشبان والشابات " حسب وصف المشاهد المفجعة .
- قريبا
من التاسعة مساء
وصل المهاجمون الى محيط الدير واقتربوا منه
محاولين الدخول اليه وهم يصيحون ويطرقون الابواب
المقفلة .
-
العاشرة
مساء
تمكن المهاجمون من كسر واجهة الدير الزجاجية التي
تغطي أعلى المدخل ثم خلعوا الباب الرئيسي ودخلوا
الى المعبد ( الكابلا ) .تصف الام كليمانتين
مشهدهم المروعوهم :" يمزّقون الصور ويكسرون
التماثيل التقوية والقتاديل .. ويحطّمون شخص
البتول المنصوب كرام شهرها المريمي وفتحوا باب
القربان الاقدس ..." مردّدين ّالعبارات النابية
والمهددة بالقتل .
-
الساعة الحادية عشر ليلا تمكنت
الراهبات من الخروج عن طريق باب جنينة الدير
الحنوبية بما يشبه المعجزة دون ان يراهن الاشقياء
.
الحادية
والنصف ليلا وصلت
الراهبات وسط الظلام والطريق الشائكة والصعبة
المسالك الى مكان تقع فيه شجرة كبيرة بين موقعي
"شرتا وبسسبة" حسب تقدير القاريء للوصف .
في
الساعة الواحدة من صباح اليوم التالي الخميس 6
ايار وصلت الراهبات الى
أرض "بسبسة" حيث وجدن مجموعة الاخت بربارة من
ألاهالي الذين كانوا قد سبقوهن الي المكان هاربين
من المجازر .
ويتابع
التقرير ما جرى لهذه المجموعة من تاريخ 5 ايار الى
23 منه من عناء التهجير على مدى ثلاثة اسابيع (
يتبع )
ج .ت. خريش